محمد جمال الدين القاسمي
368
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يزعمون أنها شفعاؤهم ، وحينئذ فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة للمسلمين ، لأن شفاعة الرسل يومئذ إنما تكون بإذنه تعالى ، فكأنها منه تعالى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 52 ] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 ) روى الإمام مسلم « 1 » عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه قال : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ستة نفر ، فقال له المشركون : اطرد هؤلاء يجترءون علينا ! قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما ، فوقع في نفس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما شاء اللّه أن يقع ، فحدّث نفسه ، فأنزل اللّه تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ . . الآية . وأخرج نحوه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما . وروى الإمام أحمد « 2 » عن ابن مسعود قال : مرّ الملأ من قريش على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعنده خبّاب وصهيب وبلال وعمار ، فقالوا يا محمد ! أرضيت بهؤلاء ؟ فنزل عليه القرآن : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ إلى قوله أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ . ورواه ابن جرير « 3 » عن ابن مسعود أيضا قال : مرّ الملأ من قريش برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخبّاب وغيرهم من ضعفاء المسلمين . وفيه : فقالوا : يا محمد ! أرضيت بهؤلاء من قومك ، أهؤلاء منّ اللّه عليهم من بيننا ونحن نصير تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم ، فلعلك إن طردتهم نتبعك ! فنزلت هذه الآية : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ . . الآية . ووراء ما ذكرنا ، روايات لا تصحّ ولا يوثق بها . إذا علمت ذلك تبين أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يطردهم بالفعل ، وإنما همّ بإبعادهم عن مجلسه آن قدوم أولئك ، ليتألفهم فيقودهم ذلك إلى الإيمان ، فنهاه اللّه عن إمضاء ذلك الهمّ .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : فضائل الصحابة ، حديث 45 و 46 . ( 2 ) أخرجه في المسند 1 / 420 والحديث رقم 3985 . ( 3 ) الأثر رقم 13255 من التفسير .